حنان الحدجري
ام الخير زايدي
أميمة الحسني
اميمة الغماري
يسرى مرزوق
مقدمة
كشفت
الأبحاث الأثرية التي أجريت بمختلف المعالم الجنائزية عن مدى اعتناء الإنسان
بموتاه من خلال الطقوس و الممارسات الجنائزية التي كان يعتقد بها . يرى "الباحث ستيفان جزيل" في هذا
الصدد بأن اعتقاد سكان المغرب القديم بمسألة الروح و العالم الاخركانت مرتبطة
بوجود العالم الاخربعد الموت. فكان من الضروري الإبقاء على الجسم أو بقايا منه ضمن
شعائر معينة خاصة بالدفن لحفظ الروح بالمعلم الجنائزي فالموت حسب اعتقادهم ما هو إلا بداية أخرى،و من
تم وجب الاعتناء بجثة الميت وتزويدها بمرفقات الحياة الضرورية له في عالمه الاخر.
أقنع
الانسان نفسه و من قرون قبل الميلاد أن الموت يتعلق بالجسد بينما الروح تبقى حية بأشكال
مختلفة. ¹
إذن كيف
تعامل الإنسان مع جثة الميت؟وما هو الأثاث الجنائزي الذي اعتمده؟و ما هي طرق الدفن؟و
ما هي الطقوس الجنائزية في إفريقيا(دولة غانا مثال).
و سوف
نعتمد في هذا الموضوع على المنهجين التحليلي و التاريخي من خلال تحليل ظاهرة
الطقوس الجنائزية عموما و في إفريقيا خصوصا،و رصد الممارسات المتعلقة بهذه الطقوس
لدى القبائل و الشعوب الإفريقية،كما اعتمدنا المنهج التاريخي انطلاقا من دراسة
التطور الحاصل على مستوى المعالم الجنائزية عبر مختلف العصور.
التصميم المعتمد هو كالتالي.
المبحث
الأول الطقوس و الطقوس الجنائزية.
المبحث
الثاني المعالم الجنائزية و تطورها عبر التاريخ
المبحث
الثالث القبور و طرق الدفن.
االمبحث
الرابع الأثاث الجنائزي
المبحث الخامس
الطقوس الجنائزية في دولة غانا.
¹ نور
الدين طوالبي الدين و الطقوس و التغيرات مرج سبق
المبحث
الأول الطقوس و الطقوس الجنائزية.
يعرف المعجم الوسيط الطقس ب .
1هو
النظام و الترتيب.
2الطقس
عند النصارى هو نظام الخدمة الدينية أو شعائرها أو احتفالاتها.
3الطقس هو
حالة الجو من برد و حرارة و اعتدال في مكان و زمان معينين.
تعريف
الطقس في الأنثروبولوجيا.
كل دين
إلا و يفرز طقوسا خاصة به و يستخدمها في نمط ثابت لأهداف دينية أو أخرى تذكارية
لطمأنة فكر الإنسان المرتبك، فالاحتفال الطقسي يبحث عن مناسبة للتقرب من الفو
طبيعية التي تقلق و تهيمن في نفس الوقت.
ويشير"كازينوف
"أن القصدية الدينية للطقوس تجد حقيقتها في تحولات الوضع البشري و من بين هذه
التحولات الأكثر إرباكا هي الشعور الذي يدركه الإنسان حول المقدس و هو شعور مبهم
يضطره إلى إحداث تعديلات متلاحقة و منظمة لوضعية المشوش أو قلقة الوجودي و عن طريق
الطقوس يتقرب الإنسان من العالم المقدس الذي يعتبر موضع تهدئة اضطراباته¹.
يرى
"إريك فروم"أن الطقس ما هو إلا تعبير رمزي عن الأفكار و المشاعر بواسطة
الفعل.وأن الطقس له هدفان .
الهدف الأول استمراري
يعتبر
التكرار أساس السلوك الطقسي و كون الطقس سلوكا يكون جماعيا أو فرديا يضمن من خلال
التكرار استمراريته.
الهدف الثاني الهدف الديني
يشير"لينهارد" إلى أنه خلال الممارسة
الطقسية يكون الاتصال مع ما هو مقدس هو الحافزالواضح و المسيطر على النشاط
الطقسي يعني أن الإنسان يعبر عن حاجة
متجددة للخروج من وضعه كي يؤمن لنفسه المصالح المطمئنة باعتبارها تثق بمعتقداته.²
¹ نور الدين طوالبي الدين و الطقوس و التغيرات مرج سبق
² نور
الدين طوالبي الدين و الطقوس و التغيرات مرج سبق
وفيما يخص
الطقوس الجنائزية فهي نفس تعاريف الطقوس إلا أننا نربطها بالجنازة،فمفهومها يشير
إلى بعض السلوكات التي يقوم بها الفرد و الجماعة لما يتعرضان لفقدان عزيز،إنها
مجموعة من النشاطات المختلفة يقوم بها الفرد الحاد و يجتهد في احترامها ما استطاع
.تأخذ هذه الطقوس صورة عادات و تقاليد و أعراف اجتماعية تمارس تلقائيا.
تنتشر الطقوس الجنائزية في المجتمعات البشرية
المختلفة و تختلف أشكالها من منطقة لأخرى و لكنها تبقى ثابتة في أغلب الثقافات
البشرية في طابعها العام.هذه الطقوس تساهم في دفع الشخص الحاد إلى مواجهة الواقع و
لو مؤقتا من خلال الممارسات المختلفة التي
يضطلع بها الأفراد ،تشمل هذه الطقوس ارتداء اللباس الأبيض أو الأسود حسب المناطق و
المواساة و التعزية و القيام بزيارات لقبر المتوفى و أهله و الإعلان عن الوفاة و
البكاءوتوديع الميت و إعداد فضاء العزاء......
تشمل
الطقوس الجنائزية كذلك طقس التعزية و طقس
الاطعام و طقس التغسيل و التكفين و طقس تشييع الجنازة والدفن و طقس زيارة القبر
......كلها طقوس تختلف في إفريقيا و تتنوع بتنوع الديانات و الأعراق و اللغات و
القبائل..و تتقاطع فيما بينها في بعض الأمور .¹
إن مفهوم الطقوس الجنائزية يحيلنا على موضوع الهوية و
الانتماء إلى مجموعة دون أخرى .و مهما اختلفت هذه الطقوس فهي تعبر عن علاقة
الإنسان بالمقدس و عالم الغيب اللذان أنشآ لديه نظم تمثلات لحياة ما بعد
الموت في تحد واضح منه للفناء،انها تعبير
عن عناصر التواصل الخفي بين هذه النظم و الثقافات حيث لا توجد قطيعة بين فترة
تاريخية و أخرى بقدر ما يوجد تراكم مؤسس
لهوية مجموعة تجعل منها متفاصلة مع
مجموعات أخرى هذا التراكم عبر الزمن شكل المعالم النهائية للطقوس الجنائزية كنتيجة
للمثاقفة بين العصور و الأديان² .
ولأن الطقوس الجنائزية مرتبطة بحدث الوفاة،ترى ما هي
المعالم الجنائزية و كيف تطورت عبر التاريخ؟
¹مجلة افاق علمية المجلد 11 العد04سنة2019
² محمد سعيد طقوس
الجنازة بافريقية في العصر الوسيط السبيل مجلة التاريخ و الاثار و العمارة
المغاربية عدد12 سنة2021 الرابط
المبحث الثاني: المعالم الجنائزية بإفريقيا وتطورها عبر
التاريخ
انتشرت المعالم الجنائزية في
سائر بقاع العالم منذ فجر التاريخ، وهي بمثابة عمارة عرفت مجموعة من التغييرات على
مر العصور والأزمنة في طرق البناء والتسميات، وبما أن القارة الإفريقية هي مهد
الإنسان الأول، فإنها لم تكن بمعزل من هذا، حيث ظهرت بها معالم جنائزية تعود
لأزمنة غابرة من التاريخ، إذ يذكر أن أقدم قبر في إفريقيا يبلغ حوالي 74 ألف عام
على حد قول الدكتورة "لويز همفري" من متحف التاريخ الطبيعي في لندن.
شكل الموت حيزا مهما من
اهتمامات الإنسان منذ القدم، فحاول إيجاد تفسير له ولما لم يستطع أقنع نفسه بأن
الموت ليس نهاية وإنما لحظة انتقالية من مرحلة إلى أخرى، إذ يتعلق الموت بالجسد
فقط بينما الروح تبقى حية بأشكال أخرى مختلفة. لذا كان الاعتقاد راسخا بضرورة
التعامل مع الجسد باحترام كبير حتى ترتاح روح الميت وتتابع رحلتها بسلام، من خلال
طقوس أو معالم جنائزية تختلف باختلاف الحضارات والمعتقدات والديانات[1]. ويعرف الباحث"
طارق ساحد" المعالم الجنائزية بأنها بناء معماري ممزوج بالتربة يوضع فوق جثة
الميت مع أدواته الجنائزية[2]، بذلك فهذه المعالم
تتصل بطريقة بناء المقابر أو المدافن بشكل يوافق معتقدات مشيديها، ففي قارة
إفريقيا عند قبائل "الدوجون "توضع جثة الميت في مغارة منقورة في الصخر،
أما في غرب الكامرون فيتم الدفن في المسكن الأصلي للميت، في حين أن قبائل ساحل
غينيا فيدفنون موتاهم في مكان يسمونه غابة الأشباح[3] .
وفي مصر القديمة تعتبر
الأهرامات أحد أبرز المعالم الجنائزية في أفريقيا باعتبارها من عجائب الدنيا
السبع، نظرا للهندسة المعمارية العالية الدقة في تشييد هذه المقابر والتي لازالت
صامدة إلى يومنا هذا، بذلك فإن هذه المعالم ارتبطت بالاعتقاد السائد آنذاك، ونذكر
في هذا السياق بعضا من أنواع المعالم الجنائزية:
ü
الجثي TUMULUS: وهي عبارة عن ركام من الحجارة يوضع فوق قبر الميت، والغاية منها
هو حماية الجثة من الأخطار البشرية والحيوانية، ويعتبر هذا النوع من أقدم المعالم الجنائزية، بحيث يعود
تاريخها إلى أكثر من 4000 سنة قبل الميلاد¹،
وينتشر هذا النوع في المغرب كما هو الشأن في مناطق سيدي علال البحراوي ولالة
ميمونة والطاوز.. وهناك أنواع أخرى كالدلمنات والنواويس؛
ü البازينا: هي عن بناء معماري شكله
دائري أو مستطيل في وسطه جزء مفتوح يؤدي إلى الغرف الجنائزية، وهي تختلف عن الجثي
كونها محاطة بدوائر من الحجارة على شكل مصاطب أو مدرجات..
ü المصاطب: هي عبارة عن معلم شكله
الهندسي يكون إما مربعا أو مستطيلا، يتم تشكيله عن طريق غرس صفائح حجرية كبيرة في
التربة بشكل متوازي، ثم تغطى بصفائح أخرى كبيرة².
ونوضح هذه الأنواع باستعراض هذه
الصور:
.
[1] عبد القادر حدوش، "الأهقار المركزي والجنوبي في فجر
التاريخ، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في ما قبل التاريخ، جامعة الجزائر، معهد
الآثار، 2009، ص66.
² محوز رشيد، م.س، ص: 107.
وبالتالي، فإن تطور المعالم الجنائزية عبرالعصور كان بتطور المعتقدات لدى
الشعوب والقبائل الإفريقية، ففي العصور ماقبل التاريخ وكما مر معنا كانت هذه
المعالم متجسدة في الصخور والكهوف وفي العصور الوسطى عرفت تغييرا، إلى أن دخل
الإسلام إلى البلدان الإفريقية، التي عرفت تغييرا في عمارة الجنائز مثلما هو الأمر
عند المسلمين في البلدان الأخرى.هذا فيما يخص المعالم الجنائزية،فماذا عن القبور
التي كان يدفن فيها الموتى و طرق دفنهم بها؟
المبحث الثالث القبور و طرق الدفن
يبدو أن سكان المغرب القديم لم يختلفوا عن
باقي الحضارات القديمة في طريقة دفن الموتى فقد أولوا هم الاخرون اهتماما بالغا
بمسألة دفن موتاهم منذ العصور الحجرية القديمة ،مما يدفعنا لاستخلاص بأنهم قد
اهتموا بالموت وشؤون العالم الاخر فكانوا يردمون موتاهم بركام من الحجر أو يضعون
الجثث داخل مدافن صخرية ذات أحجام مختلفة ،مثل المغارات والدلمن والبازينا
والتومولوس والحوانيت والدوائر الحجرية وهي المقابر ذات الشكل الدائري والقبور
القلاعية مما يؤكد منذ النظرة الاولى على امتلاكهم اللوع الديني وبالتالي يستوجب
الاهتمام بوضعيات الدفن المختلفة كوضعية
القرفصاء والوضعية المنطوية والممددة الى جانب
طريقة الترميد ،وهي حرق الموتى وكل ذلك من استنتاج جملة من الطقوس المتعلقة
بالانسان المغربي القديم تجاه العالم الاخر أو المنشود.
عندما نحاول البحث في المعتقدات والطقوس التي مر بها المغربي القديم
وهي معتقدات قائمة على تقديس الظواهر الكوكبية والطبيعية, معتقدات كانت أولها
كوكبية كعبادة الشمس والقمر. ومن المؤكد عليه تاريخيا أنه قبل القرن الخامس ق م كل
المصادر القديمة تدل أن أول ماعبده المغاربة القدماء كان الشمس .وهذا ماذهب إليه
هيرودوت.وهذه العبادة كان الدافع لها إنارة الشمس ودفئها باستثناء
قبائل''الاترانتس الجيتول ''اللذين كانوا يلعنونها بسبب أشعتها المحرقة .ولقد أشار الباحثون إلى
هذه المدافن الحجرية وشكلوا منها أنواعا حسب الطبيعة الجيولوجية التي استقر عليها
المغربي القديم, كالمدافن الحجرية ''دولمن'' و''تيميلوس'' ومدافن دهليزية
''البازينا'' ،وبدت هذه المقابر القديمة بأشكال متنوعة كالدائري والمستطيلة
والمربعة وكانت مثاوي لأموات متعددة يجدد فيها الدفن في كل حالة وفاة لتصبح مدافن
جماعية بغطاء حجري محدد لها طقوسها التعبدية والجنائزية, وتتميز كل منطقة جبلية
بنوع من أحد المدافن التي تحددها المنطقة وطبقاتها الجيولوجية .تتنوع العمارة
الجنائزية من مكان لاخر،فبعض المناطق المجاورة للسواحل تتضمن طبقات جبلية وصخرية سًماها
المؤرخون ''بلاد الدلمنات''.
ويتبين للباحث شكل النصب والرجم الحجري الذي يميزه نقش دائري
بمدخل قصير ومستدار بأكوام حجارة تراكمت بفعل التعرية والتي تتموقع بتلال ترابية
ومنحدرات مشكلة على أسس المباني أصبحت أكوام احجار متناثرة, ومن الغريب أن موقعين
قريبي المسافة يتميزان بنفس النقش الدائري,
ويتبين أن هذا الشاهد الصخري المنحوت كان مذبحا إما تعبديا أولإقامة شعائر
تقديم القربان إلى الميت أو إلى الالهة في العصور القديمة ,ويشير الشكل الدائري إلى
استدلالات عدة والذي يرجح أنها كانت مائدة تقديم القربان وإقامة الطقوس السارية
والتي غالبا كان دم القربان وسيط تبرك وتمسح لنيل رضى الالهة وطلبا لخلود الميت بعالمه السفلي, والثاني هو إشارة بموقع المدفن وشكله المعماري
الدائري بمدخل بسيط, والاستدلال الثالث إشارة بمعتقدات محلية لكل تجمع سكني حسب
ماذكره الباحثون في معتقدات العصور القديمة.
وفيما يخص الاستدلال المتوارث بخاصية تقديس دم الاضحية نجد العديد من
الأسر التي تقدس القربان في الريف وخاصة المحافظة على أدلة الذبح وهي ملطخة بدم
الاضحية وتمارس بها وصفات استشفائية لطرد القوى الخارقة والعين الحاسدة وتتكرر في
كل عملية استشفائية , ولاشك انها متوارثات تبرك بدم الاضحية حافظت عليها العادات
الطقسية من أجيال لأخرى..
ولقد أرشدتنا البحوث الإثنية
والشعائر الغريبة والموروثات المادية والشفهية في تحليل العديد من الألغاز وأيضا
ساعد علم الاثار والتنقيب بالتعرف على هذه القبور الحجرية الدائرية المحاطة بسياج
دائري من الحجارة, استعملت لأغراض طقوسية أو لحرق الميت أو عند عرض الميت لمثواه ،
كما كانت تلك الدلمونات منصات يتم استغلالها لعملية الترميد في العصور القديمة،
ولذلك لايمكن
فصل استخدامها عن دائرة الطقوس الجنائزية التي ارتبطت بالموت والعالم
الاخر .¹
-M.Reygass,Monuments
furnéraies préislamique¹,
رابح لحسن, مدافن حكام المور والنوميد
-G.Camps , Aux origine de la Berbérie Monuments en rites furnéraies
protohistorique.
وتنوعت تعاريف هذه القبور الحجرية حيث يذكر ''محمد حسين فنطر'' أن
مصطلح ''دلمن''هو
( سلتي) يتركب من كلمتين(دل)يعني المائدة و (من) تعني الحجرة.
وتبدو كنصب جنائزي يشكل إما بواسطة بلاطات حجرية أفقية أو بناء حجري
يرتكز على قوائم ودعائم عمودية وقد بين علماء الاثار وضعية الميت داخل هذه المدافن وهي وضعية جنينية ومن بين العديد
من الحالات تكون في يد الميت انية فخارية, أو موضوعة الى جانب وجهه,مما يوحي
بالاعتقاد أن الميت يبدو وهو يمارس وظائفه الدنيوية لمظاهر الاكل والشرب
واستمراريتها في العالم الاخر.
ويرجح (د.سانتاس)و(ج.جوبيل) وصول الدلمنات وانتشارها بالمغرب الكبير
نتيجة تقارب المسافة بين الضفتين , فيما يفيد (س-جزيل) ان هذه المدافن تتضمنها
مواقع ساحلية بشمال افريقيا ورجح أنها قد استقلبت للدفن في العهدي القرطاجي والفينيقي
وتموقعها ينذر بوجود تجمع سكني أو مدينة قديمة. ¹
لكن (فوانو) يرجح انتشارها
بالمنطقة مع بداية القرون الاولى بعد الميلاد.
ويضيف المؤرخ الفرنسي (غابرييل كامب –البربر تاريخ وهوية صفحة 120)
قوله'' نلمس في هذه الانصاب التي تعود الى الحقبة قبيل التاريخية بالتطور المهم
الذي تحقق في العناصر المعمارية وهي أماكن فيما يبدو ''للممارسة والحضانة'' او
''الجثوات او المصليات'' وقد سبق للمؤرخ
اليوناني ''هيرودوت" أن ذكر بوجودها عند الرحل بالصحراء, وأشار
''كامب'' أن هذه الاماكن المقدسة لاتزال على عهدها, وهي ممارسات استشفائية وتبركية
كانت تقتضي بالنوم في هذه الاماكن أو قربها للحصول على الشفاء عن طريق الحلم,
وتكرر زيارتها كوصفات علاجية.
ونفس النهج نستدل به من خلال وجود هذه الممارسات وفي نفس الموقع
المقدس الذي اكتشف فيه ''دولمن'' بمنطقة بني بوغافر اقليم الناضور ومغارة المسجد
التحت أرضي ومزارة اغيل امدغار محمد حسن فنطر,اسلافنا اللوبيون,تونس عبر التاريخ,العصور القديمة,32.¹
-N.Saoudi, les temp protohistorique
en Algérie,93.
-F.Raymond , Monuel de protohistoire
général, 376.
ونستدل هنا برواية واقعية من اقدم معمري القبيلة اذ يؤرخ عام 1927
رافقته أمه الى الموضع -المكتشف أخيرا
للنوم فيه وكان يعاني من الارق وحكى ان بعد النوم فيها شفي وانتهى مرضه وهو لايزال
طفلا في السبع سنين.
ونفس الطقوس التي كانت تمارس بمزارة سميت ''لالاالوداشية'' باغيل
امدغار,بعد تعاقب السنين اظهرت التعرية شاهد ''دولمن'' وعليه نقوش ورسوم نذرية
مرفوعة الى الالاهين المتزامنان ''حمون''و''تانيث' .
والاستدلال التاريخي الاخير ان هذه الانصاب وقربها من الساحل المتوسطي
والمقابلة للجزيرة الايبيرية التي اثبت الاركيولوجيون أن هذه الحضارة المعمارية
الجنائزية كانت مشتركة ومن المفترض أن سكان الضفتين كانوا يتبادلون التجارة وخاصة
في الدلمونات والفخاريات, وهذا الإثبات ناتج عن التأثيرات التي قام علماء الاثار
بتحليلها على كسرات فخارية وازدواجية تلك القبور في ايبيريا وضفاف المغرب القديم
الساحلية.¹
-Rebout,’Note pour servir à
l’étude de la Nécrople mégalitithique de sigus ,Balletine de l’académie
d’Hippone,T18,163
Hérodote,Histoire,traduction,188
. -J.Meunié,la Nécropole de Foum-le-rjem,tumuli de Maroc présharien
Hésperis,TXLV,95-142.
المبحث الرابع الأثاث الجنائزي
من المتفق عليه أن مادفع العلماء لاكتشاف القارة السمراء، هي أطلال حضارتها
القديمة. لاسيما الشعوب المصرية والنوبية التي بذلت قصارى جهدها في التفكير في
الموت وما وراءه التي عرفها تاريخهم القديم، ولقد كانت الآخرة وما ينبغي التزود به
من أثاث جنائزي شغلا استغرق من جهدهم ما لم يتح لغيرهم من شعوب الأرض جميعا، إذ
كانوا أشد الناس ذكرًا للموت وإيمانا بالحياة الآخرة وحرصا عليها¹. كما كان اعتقادهم أن الموت ليس
حقا هو نهاية كل شيء، بل انتقال إلى حياة أخرى يعيشها تماما كما كان يعيش في الأرض
وذلك من خلال توفرهم على شروط ضرورية للعيش في الآخرة على حسب معتقداتهم .
فقد طمعت كل شعوب العالم في الخلود والاستمرار ربما لا يقل كثيرا عمل طمع
فيه المصريون القدماء حيث رتب المصريون القدامى طمعِهم على المنطق والعمل والأمل
والعقيدة في آن واحد، وكانوا أول أمة ٱمنت بالبعث والخلود من تلقاء نفسها.
لقد بذلت الشعوب القديمة منها المصريون والنوبيين لأخرتهم مالم يبذلوه
لدنياهم، فلم يبالوا بسكنهم، حيث جعلوه من اللبن والطين، ولكنهم لم يدخروا جُهدا
في بناء مقابرهم فتخيروا الحجر الجيد والصخر المتين، كانت ومازالت المدافن هي أول
الدوافع للاكتشاف لأنهم كانوا يشيدون بيت الخلود، لذلك فإن المستكشفين لايعرفون عن
مساكنهم وعمائرهم في الدنيا بقدر ما يعرفون عن ٱخرتهم ومقابرهم وذلك من المخلفات
الذي تركوها خلفهم من الأثاث الجنائزي كالمباخر والتي كانت لها أهمية خاصة، حيث
عثر عليها منقوشة بعناصر مصرية رئيسية في طرزها فقد كانت شاملة رسماً للملك بالتاج
التقليدي، كما كانت المباخر الحجرية في المجموعة الحضارية الأولى تأخذ أشكالا
دائرية وبيضاوية مخروطية وأسطوانية الشكل، كما تم العثور على رؤوس مقامع القتال
التي صُنعت من العديد من أنواع الحجر والتي يوجد منها نوعين تأخذ شكل القرص و
كمثرى الشكل. والذي كان مرتبطا بالاحتفالات في مصر، وأيضا وجود الاختام والتي
تتضمن أختام أسطوانية مصنوعة من الطين والتي تحتوي على طبعة الختم أو بدونها، لكن
غير مؤكد على أن النوبيين هم من صنعوا الأختام أم استوردوها من مصر، بالإضافة إلى
وجود الحِلي وأدوات الزِينة.
أما فيما يخص بالأثاث الجنائزي خلال
المجموعة الحضارية الثانية والتي تتمثل في تماثيل الإناث التي من الممكن قد تكون
عبرت عن خطوة مهمة من خطوات مرحلة الطفولة إلى مرحلة الأنوثة. كما تم العثور أيضا
على الأساور التي كانت جزءاً من أدوات الزينة بين سكان حضارة البداري في مصر
العليا وبين شعب المجموعة الحضارية الثالثة بالنوبة السفلى وكذلك الخواتم
حيث ارتدى شعب النوبة الخواتم في كلتا اليدين وكل الأصابع بإستثناء الإبهام
والسبابة، كما كان في نفس الإصبع، بالإضافة إلى وجود الأطواق وهي عبارة عن أساور
الرأس المصنوعة من المواد الصلبة وأيضا وجود الخرز الذي صُنع من الأحجار نصف
الكريمة. وكذلك وجود المرايا المصنوعة من البرونز أو النحاس في بعض مقابر الجبانات
الكبيرة، ولقد وصل إلينا حوالي 29 مرآة من الجبانة N
بعنيبة ¹
أما فيما يخص الأثاث الجنائزي خلال حضارة البان جريف فقد تم العثور على
الصدف ولعل معظمها جاء من البحر الأحمر، كما كان غالبية الصدف مثقوب ربما لاستخدامه
للتعليق وكان يتم ارتداؤه كزينة، وعثر في
بلابيش على حوالي 20 نوع من الصدف منهم 10 من البحر الأحمر. وكذلك وجود الخرز
والتي قد تعددت المواد التي صنع منها و تضمنت مواد عضوية .
ولقد عثر على الأساور
في مدافن يرتدي أصحابها ثلاث أساور صدفية مميزة لكل ذراع، وهذه الأساور مصنوعة من
شرائح الصدف المجوف.
المبحث الخامس: الطقوس الجنائزية في دولة افريقيا في
غانا
تنفرد غانا عن دول العالم الأخرى بطقوس
دفن الموتى في توابيت يتم اختيارها إما من المتوفى شخصيا قبل وفاته أو من قبل
عائلته ،لكنها غالبا ما تعكس علاقة حميمة بين الميت
والشكل
الذي دفن فيه ، الذي قد يكون سمكة او أسدا او حبة طماطم . في ورشته يقوم دانيال
أوبريمينسا ) 50 عاما (، منذ اكثر من عشرين عاما ، على
نحت توابيت في أشكال مختلفة في
¹_ W.Y Adams,
P.E.T. Allen , and G.J Vergers, "Archaeological Survey of Sudanese Nubia
",kuch 9, ( 1961),p.7 ff .
غانا.
وقال أوبريمينسا ، المعروف باسم " هلو" لصحيفة لوفيغارو ان الناس غالبا
ما يطلبون أشكالا لتوابيتهم على علاقة
بأشياء على صلة بمهنة المتوفى او الهواية التي كان شغوفا بها . وأضاف "
يطلب الصيادون توابيت في شكل أسماك ، اما
بعد التجار فيطلبون توابيت في شكل حبة طماطم او
بابايا، حيث يعتقد الغانيون وفق" هلو" أنه عندما تغادر أرواحهم
الأجساد يجب عليها أن تكون في تابوت شكله
خاص بمهنتهم التي كرسوا فيها حياتهم حتى تتمكن من مواصلة نشاطها إلا أن تبعث من جديد.
أما طريقة دفنهم للجثث يقومون بحرقها
بدرجة حرارة عالية جدا حيث تتحول إلى رماد على شكل كرات أو بلورات من الخرز الملون
، وقد لقيت هذه الطريقة شهرة أوسع في كوريا الجنوبية بعد إقرار قانون عام 2000 يطالب فيه الأسرة التي دفنت ذويها بإزالة
القبر بعد 60 سنة من دفنه ، لإتاحة مساحة لدفن الآخرين ،
والبعض يعتبر في ذلك الخرز نوعا من الدفء
والاقتراب من الميت ، بحيث يعصبون عيني الجثة حتى لا يرى الميت
معاناة العالم ، وهذا بحسب اعتقادهم ، إضافة الى ذلك يضرمون النار لقتل الحشرات
حيث يعتبرون أن هذه النيران منارة لروح الميت تساعدها على الوصول للطريق الصحيح و
الغريب في هذا الأمر أن هذه الطقوس لم تكن مخيفة لهم بل يصنعون النكات على رائحة
الجثة المتعفنة ويقدمون للمتوفى المشروبات
الكحولية وتستمر هذه المراسم على
نحو 8 أيام .
كما يؤمن سكان غانا أن هناك حياة بعد
الموت فهم يحتفلون بلحظة توديع الميت بطقوس غريبة متوارثة منذ القدم ، فهم يرقصون
في الجنائز على الموسيقى التقليدية الصاخبة ويرتدون الملابس ذات الألوان المبهجة ،
ويصنعون توابيت غريبة الشكل ويجلسون المتوفي في
كامل أناقته ليحدثوه عن مشاعرهم وما ينتظره في الحياة الأخرى.
وتعد الجنازات في غانا ،الدولة المحورية
في غرب أفريقيا من المناسبات الاجتماعية المهمة، تستعد العوائل لها وكأنها عرس حتى
لو تطلب الأمر تأجيل موعد الجنازة للأسابيع وإيداع المتوفي براد الأموات، فكل ما يهمهم هو توديع الراحل في جو احتفالي
فهم يؤمنون بأن الموت وقت للفرح والبهجة
وليس وقت للحزن والحسرة.
يشارك الجميع في طقوس الجنائز، خصوصا في القرى التي لا زالت تتمسك بتلك الطقوس
بدءا من التخطيط للجنازة واختيار النعش ،مرورا بالحفل الرئيس الذي يقدم طبقا
تقليديا عبارة عن عجين الذرة مع صلصة حارة جدا،
وانتهاء بحمل النعش والرقص به
طوال المسافة بين بيته ومكان
الدفن.
إجلاس الميت:
وتعتبر لحظة إخراج الميت من النعش
وإجلاسه وتجمع العائلة حوله لحظة فارقة في
مراسيم الجنازة ،فيتبارى الجميع للحديث
إليه وتقديم شهادات حول علاقتهم به وما يتمنون
له في الحياة الأخرى .
ظل المستعمرون يتعاملون مع زعماء الغا
بدلا من القساوسة ،وقد سمح لهم ذلك بتعزيز
مكانتهم وفرض طقوسهم وأشكال تصويرية
جديدة كالنسر الأسد أو سلحفاة حتى يتميزوا
عن اثنية أكان.
في تلك الفترة أجبر الغانيون على دفن
موتاهم في مقابر ،وكان ذلك في اللحظة التي
بدأ فيها أفراد اثنية الغا استخدام توابيت ولكن بطريقة مختلفة حيث كانوا يحاكون
أحيانا عملية الدفن ،بينما كان أعضاء المجتمع
التقليدي يدفنون في قصرهم بموافقة المستعمر ،لذلك اعتقد الجميع لفترة طويلة
بانهم يدفنون في الأرض بينما كانوا يوضعون في أشكال جميلة لها علاقة بالاسرة
المالكة أو الدين وتسمح للعائلة بالاتصال بهم. ولهذا تم الاحتفاظ بهم وفق تشومي لفترة طويلة.
وفي هذا الصدد ،يقول الباحث سينغا سيسي
"الغانيون يودعون فقيدهم بطريقة كلها بهجة فهم
يؤمنون بأن إيصاله في رحلته الأخيرة الى
الجنة يجب أن تكون مليئة بالفرح والسعادة
والطاقة الإيجابية .
ويضيف "هذه الطقوس متوارثة منذ
القدم خلال تشييع الموتى ،وعلى الرغم من أنها ستبدو غريبة وصادمة لكثيرين ،إلا
أنها طقوس مقدسة لدى الغانيين "،ويشير إلى ان هذه التقاليد تخفف على اهل
المتوفي حزنهم ،في حين أن التخلي عنها يعتبر بالنسبة إلى البعض بمثابة التخلي عن وداع الميت في رحلته الأخيرة .¹
¹ خديجة الطيب :صحفية موريتانية متخصصة
في شؤون غرب افريقيا مجلة العربية.
خاتمة
نستخلص من كل ما سبق أن الطقوس الجنائزية هي رد فعل
للتجربة الحقيقية المطلقة أو العليا،فالطقوس إذن هي تعبيرعملي للتجربة الدينية
إنها شكل حر و لكنها في الوقت نفسه تتخذ شكلا معينا و تتصف بالتلقائية في آن
واحد.إنها تعبير عن المواجهة التي تتخذ شكل الخدمة أو العبادة.¹
هذه الطقوس إسلامية كانت أو مسيحية أو يهودية ..... جاءت نتيجة تفاعل بين عدة عناصر منها ما هو محلي ( تعدد اللغات و
الديانات و القبائل و الحضارات....)و منها ما هو مستورد تأثرت بعامل المثاقفة الذي لا تخلو منها أي جماعة بشرية و تطورت مع مرور لتاريخ.
إنها أكثر الظواهر تعبيرا عن الجانب الثقافي المحدد للهويات و التراث .
¹محمد عاطف غيث.علم الاجتماع الديني.دار
المعرفة الجامعية الاسكندرية 1999
البيبليوغرافيا
-رابح
لحسن, مدافن حكام المور والنوميد
- نور الدين طوالبي دين و الطقوس و التغيرات
- محمد عاطف 1999
علم الاجتماع الديني دار المعرفة الجامعية
الإسكندرية
نور
الدين طوالبي
-هوبير ديشان."الديانات في افريقيا السوداء"
ترجمة احمد صادق حمدي .المركز القومي للترجمة2011
-خديجة الطيب مجلة العربية
-طارق عزيز ساحد،
"آثار فجر التاريخ بالجزائر"، الجزائر 2011، ص 28/29 أورده محوز رشيد في
مقاله "تطور المعالم الجنائزية وطقوسها بتيارت من العصر الحجري القديم الأعلى
إلى الفترة القديمة من خلال الشواهد الأثرية والمصادر التاريخية"، مجلة العبر
للدراسات التاريخية والأثرية في شمال إفريقيا، عدد 02 خاص – أبريل 2022،.
-لحسن والطالب، "المواقع الأثرية لمرحلة
ماقبل التاريخ بالجنوب الشرقي المغربي"، مقال منشور على موقع جديد أنفو
الإلكتروني، تاريخ الزيارة 20/11/2023 على الساعة الواحدة زوالا.
- محمد سعيد طقوس الجنازة بافريقية في العصر
الوسيط مجلة التاريخ و الاثار و العمارة المغاربية العدد12سنة2021 الرباط
-مجلة افاق علمية العدد4 سنة 2019
-عبد القادر حدوش، "الأهقار المركزي والجنوبي في فجر التاريخ، أطروحة
لنيل شهادة الدكتوراه في ما قبل التاريخ، جامعة الجزائر، معهد الآثار، 2009، ص66.
. -أحمد عبد الحميد يوسف :"العادات
والشعائر الجنائزية في الدولة القديمة عند الأفراد",مخطوطة رسالة دكتوراه غير
منشورة ، القاهرة 1966،ص
-F.Raymond , Monuel de protohistoire général,
-G.Camps , Aux origine de la Berbérie Monuments
en rites furnéraies protohistorique,
Hérodote,Histoire,traduction
. -J.Meunié,la Nécropole de Foum-le-rjem,tumuli
de Maroc présharien Hésperis,TXLV
-M.Reygass,Monuments furnéraies préislamique,
-N.Saoudi, les temp protohistorique en Algérie
-Rebout,’Note pour servir à l’étude de la
Nécrople mégalitithique de sigus ,Balletine de l’académie d’Hippone
- W.Y Adams, P.E.T. Allen , and G.J Vergers,
"Archaeological Survey of Sudanese Nubia ",kuch 9, ( 1961),
.
.
[1] لحسن والطالب، "المواقع الأثرية
لمرحلة ماقبل التاريخ بالجنوب الشرقي المغربي"، مقال منشور على موقع جديد
أنفو الإلكتروني، تاريخ الزيارة 20/11/2023 على الساعة الواحدة زوالا.
[2] طارق عزيز ساحد،
"آثار فجر التاريخ بالجزائر"، الجزائر 2011، ص 28/29 أورده محوز رشيد في
مقاله "تطور المعالم الجنائزية وطقوسها بتيارت من العصر الحجري القديم الأعلى
إلى الفترة القديمة من خلال الشواهد الأثرية والمصادر التاريخية"، مجلة العبر
للدراسات التاريخية والأثرية في شمال إفريقيا، عدد 02 خاص – أبريل 2022، ص105.
[3] هوبير ديشان،
"الديانات في أفريقيا السوداء"، ترجمة أحمد صادق حمدي، المركز القومي
للترجمة، 2011، ص 24/25.
.jpeg)